محمد متولي الشعراوي
5834
تفسير الشعراوى
ولقائل أن يقول : ولماذا لم يرسل الحق سبحانه لهم آية حسية معجزة كما قالوا ؟ فنقول : إن الحق سبحانه قد قال : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ . . ( 59 ) [ الإسراء ] وعلى ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضا « 1 » ؛ لأن الحق سبحانه قد أرسل الآيات من قبل وكذّب بها الأولون ، أو هم طلبوا آيات اقترحوها ، ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وفي هذا إقرار منهم بأن لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ربّا ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم يبلّغ عنه ، فكيف - إذن - ينكرون أنه رسول ؟ ! ونعلم أنهم قالوا من قبل : « إن رب محمد قد قلاه « 2 » » حين فتر « 3 » الوحي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن الحق سبحانه ردّ عليهم : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضحى ] إذن : هم قد ناقضوا أنفسهم ، ففي الوصل منعوا وأنكروا أن يكون له ربّ ، وفي الهجر سلّموا بأن له ربّا ، وهذا تناقض في الشئ الواحد ، وهو لون من التناقض يؤدى إلى اضطراب الحكم ، واضطراب الحكم يدل على يقظة الهوى « 4 » .
--> ( 1 ) الدحض : الدفع والبطلان . ومنه قوله تعالى : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ . . ( 16 ) [ الشورى ] أي : باطلة . ( 2 ) قلاه : أبغضه وتركه وتخلى عنه ، عن جندب البجلي قال : أبطأ جبريل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال المشركون : قد ودّع محمد . فأنزل اللّه عز وجل : وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) [ الضحى ] أخرجه مسلم في صحيحه ( 1797 ) والترمذي في سننه ( 3345 ) وقال : حديث حسن صحيح . وقد أورد ابن كثير في تفسيره ( 4 / 522 ) من الطريق الذي أخرجه مسلم والترمذي إلى جندب بلفظ : « فقال المشركون : ودع محمدا ربّه » . ( 3 ) فتر الوحي : انقطع . ( 4 ) أي : أنه يحكّم هواه في كل تصرفاته ومنازع تفكيره ، أي : يتخذ هواه إلها له ، يأتمر بأمره ، وينتهى بنهيه ؛ لهذا يحدث التناقض . ويقول سبحانه : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) [ الجاثية ] .